الجاحظ

346

الحيوان

يرض بهذه القرابة وهذه المشاكلة ، وبمقدار ما عليه من طباع الخطّاف والحمام والعصفور ، وبمقدار ما فضّلها اللّه تعالى به من الأنس ، حتّى صار إلى غاية المنافع سلّما ، وإلى أكثر المرافق . 383 - [ الحاجة إلى الكلاب ] وليس لحارس الناس ولحارس أموالهم بدّ من كلب ، وكلّما كان أكبر كان أحبّ إليه . ولا بدّ لأقاطيع المواشي من الكلاب ، وإلّا فإنّها نهب للذئاب ولغير الذئاب ثمّ كلاب الصّيد ، حتّى كان أكثر أهل البيت عيالا على كلّ كلب . 384 - [ قبول الكلب للتلقين ] وقد صار اليوم عند الكلب من الحكايات وقبول التلقين ، وحسن التصريف في أصناف اللّعب ، وفي فطن الحكايات ما ليس في الجوارح المذلّلة لذاك ، المصرّفة فيه ، وما ليس عند الدبّ والقرد والفيل ، والغنم المكّيّة ، والببغاء . والكلب الزّينيّ الصّينيّ « 1 » يسرج على رأسه ساعات كثيرة من اللّيل فلا يتحرّك . وقد كان في بني ضبّة كلب زينيّ صينيّ ، يسرج على رأسه ، فلا ينبض فيه نابض ، ويدعونه باسمه ويرمى إليه ببضعة لحم والمسرجة على رأسه ، فلا يميل ولا يتحرّك ، حتّى يكون القوم هم الذين يأخذون المصباح من رأسه ، فإذا زايل رأسه وثب على اللحم فأكله ! . درّب فدرب وثقّف فثقف ، وأدّب فقبل . وتعلّق في رقبته الزنبلة « 2 » والدّوخلّة « 3 » وتوضع فيها رقعة ، ثم يمضي إلى البقّال ويجيء بالحوائج . 385 - [ تعليم الكلب والقرد ] ثمّ صار القرّاد وصاحب الرّبّاح « 4 » من ثمّ يستخرج فيما بين الكلب والقرد ضروبا من العمل ، وأشكالا من الفطن ، حتّى صاروا يطحنون عليه ، فإذا فرغ من طحنه مضوا به إلى المتمعّك « 5 » ، فيمعّك كما يمعّك حمار المكاري وبغل الطحّان .

--> ( 1 ) الكلب الزيني الصيني : ضرب من الكلاب قصير القوائم ، شديد الذكاء ، وانظر ربيع الأبرار 5 / 435 - 436 . ( 2 ) لعلها الزبيل أو الزنبيل ، وهو وعاء يحمل فيه ، أو جراب . ( 3 ) الدوخلة : سفيفة من خوص يوضع فيها التمر والرطب ؛ وهي كالزنبيل . ( 4 ) الربّاح : القرد الذكر . ( 5 ) المتمعك : مكان تمعك الدابة في التراب .